الخميس , 24 سبتمبر 2020

النجف في رحلات الشرقيين -2-

النجف في رحلات الشرقيين -2-

najaf6

رحلة ناصر الدين شاه

يوم الأربعاء الثالث عشر من رمضان ، علينا اليوم أن نذهب إلى النجف الأشرف جلست في العربة صباحا ، وسقنا  نحو الجنوب في كل مكان ، الطريق خمسة فراسخ ، وكان مدحت باشا والي بغداد ، ومشير الدولة قد تقدما ، وكان كمال باشا وحسام السلطنة ووزير الخارجية حاضرين وجرى الحديث . وقطعت مسافة بالعربة ، كان كثير من البط قد حط في الصحراء . ركبنا ، وكان معير وأمين الملك ، وأمين خلوت ، ومجد الدولة ، وتيمور ميرزا وميرشكار ( أمير الصيد ) وآخرون ، وقد هدف تيمور ميرزا مراراً ، فاسقط حداة .

إن هذه الصحراء الرملية أصبحت بمجاورتها لزارات القصب محلاً للطيور المائية : البط والوز والخضيري وغيرها . وكان كل خمسمائة أو ستمائة منها تطير دفعة واحدة ، فلم أر منطقة للصيد كهذه ، وكان عدد من البط قد حط ، فنزلت من العربة ورميت رصاصة واحدة فلم أصب ، وأصبت بطة واحدة برصاصة أخرى بمسافة ألف قدم تقريبا ، فخرج ذئب كبير ، فلحقه مهدي قلي خان على فرسه ، وكان يلحق به دائما ولا يرميه، وكان فرسه يجتاز الذئب ، ولكنه لم يتمكن من أن يهدف ، وأخيراً وصل ابن ابراهيم خان النائب فرمى الذئب .

كانت الصحراء بكراً مسطحة ، وفيها من الشوك الذي يخص الإبل ، قليلة العشب ، فنزلنا الظهر وتناولنا الطعام . الهواء حار ، ولم يكن للبرد والشتاء أية علامة . وبعد الطعام ركبنا العربة : وكان أمير الصيد وتيمور ميرزا مهدي قلي خان والسيد وجيه قد ذهبوا إلى الصحراء لصيد الغزال ، وكانوا قد رأوا الغزال ، وتابعه أمين الصيد ومهدي قلي خان على فرسيهما ، وضيقا عليه ، ولم يتمكنا من رميه . وكان السيد وجيه قد رمى ضبعاً ، والعميد حبيب الله خان اصطاد غزالاً ، وجاء به تيمور ميرزا إلى المنزل . وكانت بساتين النخيل التي تحيط بمسجد الكوفة تبدو من بعيد جداً على جهة اليسار ، وكانت قبة ذي الكفل النبي  ومئذنته والخانات تشاهد أيضا . وقبل الركوب صباح اليوم حضر لدينا في الصيوان بعض علماء النجف الأشرف الذين كانوا قد جاءوا للإستقبال ، واستقبلناهم واقفين ، ولم يفسح المجال للمجلس بصورة مفصلة :

الحاج السيد محمد تقي بحر العلوم بكريمة بيضاء ، حسن الوجه ، بشاش حدا ، السيد علي بحر العلوم من العلماء الأجلاء ، أخو السيد محمد تقي بحر العلوم ، السيد باقر بن السيد علي بحر العلوم ، والسيد أبو القاسم الكاشاني ، وكان السيد صادق أيضا ، والسيد جواد بحر العلوم ، والشيخ محمد حسين حفيد المرحوم السيد جعفر ، والحاج الشيخ جعفر الطهراني ، والسيد محمد بن الحاج سيد محمد تقي بحر العلوم .

وخلاصة القول : كانت العربات بعد طعام الظهر تُساق بسرعة في كل مكان وقبل فرسخين كانت مئذنتا حرم أمير المؤمنين عليه السلام تشاهدان . فبدت علي حالة أن الحمد لله تعالى حيث تحقق لنا منتهى الأمل والمقصود بالسلامة وفراغ البال ، شكرت كثيرا وفرحت ، وقبل فرسخ من المدينة نزلت وجددت الوضوء ، ثم ركبنا ثانية ، وقرب المدينة كان الباشا باستقبالنا ومشير الدولة والمستقبلون ، واجتزنا محاذين باب وادي السلام ، وكان علماء النجف والمشايخ والطلاب الكثيرون قد جاءوا للاستقبال ، مثل الشيخ راضي ، والذي سوف أكتب أسماءهم إن شاء الله ، كانت الحشود كثيرة ، وكلهم معممون ، فوصلنا  إلى باب المدينة من جهة الكوفة ، وكان سور النجف قوياً جداً بُني بالآجر ، وبانيه هو الحاج محمد حسين خان الصدر الأصفهاني ، فنزلتُ من العربة قرب الباب ومشينا على الأقدام جميعاً : البَشَوات والوزراء ، فدخلنا المدينة ، وكانت أذن روحي تسمع : (إنك بالوادي المقدس طوى ) ، ولسان قلبي يقول : (رب أدخلني مدخل صدق (.

يجب أن نعتبر هذه التربة الطاهرة والأرض المقدسة جزءاً من العرش ، وآية من الجنة ، والتي هي موطن الروح ومنزل القلب . فأحسست برَوح وراحَة أعجزُ عن وصفها .

يوجد – أولاً – عند مدخل المدينة ساحة واسعة طويلة ، وعلى جانبها في رأس السوق دار وعمارة وطابق فوقاني مشرف على هذا الساحة ( الميدان ) ، وهو دار الحاكم. ومن الميدان حتى باب الصحن الشريف سوق واسع مستقيم مسقّف . وقد عُجِنَت الطهارة والنظافة بطبيعة هذه الأرض .

والزينة أطهر من كل مكان وأجمل . وفي نهاية السوق دخلنا الصحن ، صحناً روحانياً واسعاً جداً ، حجرات في أطرافه في طابقين قد بُني بالقاشاني ، ممتاز ومرتفع جداً ، أصل بنائه من السلاطين الصفويين رضوان الله عليهم ، وإن كان قد كتب اسم نادرشاه على واجهة باب الصحن ، ربما كان قد أجرى بعض التعميرات في الصحن ، لأنه قام بتذهيب القبة ، والقبة والرواق المطهر يقع في وسط الصحن ، وقد تجرد من ثلاث جهات ، وضرب طاق من الجانب الشرقي بحيث أوصل الرواق والروضة ، بحيث كان الذهاب والإياب يتم من تحت الطيقان كالمجاز ، ومن جهة اليسار وصلنا إلى منزع الأحذية ، فذهبت إلى الإيوان وكان سادن الروضة السيد جواد بن المرحوم السيد رضا الذي قتلوا أباه في داره قبل ثلاث سنوات ، وهو شاب أنيس جميل الصورة ، فقرأ إذن الدخول والزيارة ، فدخلت الروضة المقدسة ، فقبّلت عتبة الباب ، وكانوا قد رصّعوا القبة بالقاشاني البارز كالأقداح المعلّقة ، وقلّما شوهد مثل هذا القاشاني بهذه الظرافة ، فهو أدق وأجلى من الترصيع على صفحات الذهب . وبناء القبة من الصفويين أيضا . القناديل الذهبية والفضية والمسرجات الشمعية وسائر المنذورات المعلّقة كثيرة ، وقد أسدلت الستائر الكثيرة . والضريح الفضي الطاهر ربما يكون من تبرعات الصفويين . وكانوا قد فرشوا الفرش الحريري والسجاد المطرز الحريري الموجود في قم أيضا هو من تبرعات المرحوم الشاه عباس الصفوي ، وكان قد كُتِبَ عليه :(كلبُ عَتَبَةِ عليٍّ عبَاسٌ) ، وقد حافظوا عليه جيداً ، وكأنه قد خرج من المعمل تواً وهو فرش ممتاز وثمين .

وعندما دخلنا كان الوقت قبل الغروب بساعتين ، فصلينا في جهة الرأس صلوات الظهر والعصر والزيارة . والحمد الله قد توفقنا لهذه السعادة ، وبعد الزيارة ذهبت إلى قبر الشهيد أغا محمد شاه (صاحب قران ميرزا) ، وكان متولي القبر قد لف عمامة صغيرة بيضاء على رأسه ، وعلى القبور خامة كبيرة منحوتة . قبر أم المرحوم فتح علي شاه ، وقبر أم أمنا ، وقبر سليمان خان قاجار جدنا ، وقبر حسين قلي خان أخي فتح علي شاه في غرفة صغيرة أصبحت مجمعاً لأجساد الرجال والنساء لهذه الطائفة  – رحمة الله عليهم –

ومن هنا تجولنا قليلاً في الرواق ، وكان الحاج حمزة الخوئي التاجر يزين الرواق بالمرايا بصورة جيدة ، وكان حمزة نفسه حاضراً ، فأردته ، استحسنت ومجدت ، وقلت لأمين الملك أن يخلع عليه وساماً وخلعةً وحكماً للتشجيع لكي يتم هذا العمل الناقص .

رأيت حكيم الممالك في الروضة المقدسة لا زال مريضاً ، ثم رجعت بنفس المراسيم ماشياً حتى وصلت باب المدينة فركبتُ ، واجتزتُ وادي السلام ، وادي السلام مدينة الصامتين ، فيه من المسقفات الرباعية وأثار القبور ما يزيد على مدينة معتبرة ، وفيه بعض البُقَع والقُبَب ، ومنها مقبرة هود وصالح – على نبيّنا وعليهما السلام – وكانوا قد ضربوا المخيّم في الجهة الغربية من المدينة بالقرب من مقبرة وادي السلام ، وكانت أغلب خيام الناس على القبور ، مكان رديء بعيد عن الماء والعمران ، مع العلم بأن ساحل البحر كان قريباً ، كانوا قد اختاروا هذا المكان للمخيّم ، فانزعجتُ كثيراً ، وقلت : فليغيروا المكان غداً . وبِغَضّ النظر عن كل شيء كان مخالفاً لحرمة قبور المسلمين .

الليلة مُقمِرة ، وتناولتُ طعام العشاء خارجاً ، وكان ميرزا علي خان مُنشي حضور (الكاتب الخاص) حاضراً ، وترجم محمد حسن خان صحيفة (بطربورغ) وبعد العشاء بقيت وحدي فنمت .

يوم الخميس الرابع عشر : ركبت صباحاً لاختيار محل المخيّم ، فذهبتُ إلى ساحل البحر ، فابتعدت قليلاً عن الخيام ، وكانت هناك تلال صغيرة ، وسخة أحاطت بالبحر ، وباجتياز نلك التلال يصبح ساحل البحر مسطحاً ، وفي بعض الأمكنة تلال مجردة مشرفة على البحر . وكان أمين السلطان وهاشم خان بن رئيس الفراشين ونصير بيك نائب الفراشخانة ، ومعتمد الملك ، وميرزا علي خان وآخرون حاضرين . فعيّنت مكان السرادق والمخيّم في منطقة قرب البحر ، وكان ماء البحر صافياً وجميلاً وخالياً من الرائحة العفنة ، وكانت الطيور الجارحة وغيرها كثيرة تطير فوق البحر . وطول البحر من الشمال إلى الجنوب ، وعرضه من المشرق إلى المغرب ، ويمكن شرب مائه لأنه غير أجاج ، إلا أنه مالح قليلاً . وهناك جزائر في نهاية هذا البحر لم تشاهد من هنا ، وفي النهاية يقل عرضه شيئاً فشيئاً حتى يكون كنهر يتصل ببحيرة أخرى ، ومنها يكون على هيئة نهر يتصل بشط الفرات ، وماء البحر هذا يتكون من نهر الهندية وفيض الفرات .

والخلاصة ، نصبوا ظُلّةً عن الشمس . تناولنا طعام الظهر ، وبعد قليل من التريث والتأمل ركبنا ودخلت المدينة من باب صغير من جهة الغرب والبحر .

وكان لهذه القلعة بابان : أحدهما نفس باب الكوفة الذي دخلنا من ، والآخر هو هذا . وذهبت من زقاق ضيق جداً ، ولكنه كان جيداً ونظيفاً ، وتشرفنا بأعتاب المولى وزرنا ، وذهبت أيضاً إلى قبر المرحوم (أغا محمد خان) وجلست قليلاً ، وقبر قائد قوات فارس (فرما نفرما) في الرواق أيضاً ، وعند الرجوع ذهبت إلى قبر الشيخ مرتضى أعلى الله مقامه , وكان على الطريق أي عند مدخل الصحن من جهة الشرق في غرفة ذات درجات للأعلى ، وهناك مدفن الشيخ رحمه الله ، قرأتُ الفاتحة . ثم جئنا وركبنا ، وذهبت من جانب البحر إلى السرادق ، وكانوا قد أحدثوا بساتين قرب ساحل البحر توّاً ، فيها نخل جديد ، وخضروات كثيرة ، وفيها خس لطيف وممتاز جداً ، ويمكن القول بأنه لم ينم في أية منطقة كهذا الخس .

يوم الجمعة الخامس عشر : ركبت اليوم صباحاً وذهبت إلى مسجد الكوفة ومسجد السهلة ، وقبر مسلم وهاني بن عروة ، وآثار مدينة الكوفة ، وقطعنا الصحراء التي تعلو وادي السلام ، وذهبنا إلى أن وصلنا إلى نهر المرحوم وكيل الملك ، الذي كان يريد أن يجلب الماء العذب من الفرات إلى النجف ، ولكنهم لم يدقّقوا في حفر النهر منذ البداية ، ولم يقايسوا ارتفاع الماء وسطح أرض النجف ، وبقيت هذه المصاريف الطائلة بدون فائدة . ومن المحتمل ألّا يجري الماء إلى سطح أرض النجف أيضاً . وكان هناك موضعان للعبور على النهر ، فعبرنا الى تلك الجهة .

وكان تيمور ميرزا وأمين الملك ، وأمين خلوت (أمين السر) وميرزا علي خان ومحمد حسن خان والبَشَوات وأمين السلطان ومعتمد الملك وآخرون حاضرين ، وما إن قطعنا مسافة من الطريق حتى نزلت في الصحراء لتناول طعام الظهر ، وبعد الطعام ركبنا العربة وسقنا . ثم وصلنا إلى نهر كبير كان مجرى للفرات قديماً من الحلة إلى الكوفة ، أو هو خندق الكوفة . ركبت الجواد ودخلت داخل خرائب مدينة الكوفة وآثارها ، وهي كرسوم مدينة الري وآثارها الدارسة ، تلال من التراب والحجر ، وقطع الآجر الكثيرة فوق الأرض ، لم تبق خارطة ولا رسم ولا هيئة عمارة من هذه المدينة القديمة المعروفة . وفي أكثر المناطق كانوا قد حفروا الأرض بحثاً عن الأشياء ، واستخراج الآجر ، ثم أعادوا التراب مرة ثانية . والعبور من هذه المنطقة لم يكن خالياً من الإشكال والخطر ، ويجب العبور من نفس الطريق المقرر . وكان وزير الخارجية وحسام السلطنة والوالي باشا وكامل وعلي بيك قد نزلوا بباب المسجد واقفين منتظرين فنزلت ، وكانت بالبداية بعض المحلات المحوطة لربط الحيوانات وبئر ماء ، وخزان ماء موجودة ، ثم الدخول إلى المسجد : باحة كبيرة تحيطها الغرف ، وفي وسط الباحة تقع مقامات الأنبياء والأولياء ، لكل مقام دكة ومحراب .

قد بُني بالآجر ، ويجب أداء ركعتين من الصلاة في كل مقام .

وكانت أسطوانة حجرية وبارتفاع ذراعين قائمة في مقام الإمام محمد الجواد عليه السلام ، وبقُطر طيّ اليدين شاخصاً للظهر ، الذي ينصب في بعض المساجد ، وبعض عوام الناس يعتبرون قطر هذه الصخرة محكاً لصحة النسب ، وميزاناً لسلامة الفطرة ، أي أن كل من يعتنق هذه الصخرة ولم تتصل يداه ، يقال له : ابن حرام .

سمعت أن الوالي باشا كان قد أخذ جماعة للمزاح إلى ذلك المقام ومازحهم وكان المحراب الذي قتل فيه الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في جهة المسجد الجنوبية . وقد كتب الناس ذكرياتهم وتواريخ سفراتهم بخطوط مختلفة وعبارات غريبة على الجدران والمحاريب بحيث اسودت الجدران ، وكانت هذه عادة الناس أن يكتبوا ذكريات عنهم في أكثر الأماكن المعروفة ومناطق التفرج ، وهي من العادات الذميمة الركيكة جداً ، لا سيما في هذه الأمكنة الشريفة ، والتي تعتبر مخالفة للآداب وتجرياً . ومن ضلع المسجد الشرقي باب إلى مقبرة مسلم بن عقيل رضي الله عنه ، لها قبة وضريح برونزي قد شيدته والدة أغا محمد خان المحلاتي ، وفيها خادم وقارئ زيارة . زُرنا ، وهي مقبرة بسيطة ، يجب أن تجري عليها تعميرات ، مثلاً يجب أن يكون أسفل الجدار من داخل القبة رخاماً ، ومنه إلى أعلى القبّة قاشانيًّا ، ويجب أن يفرشوا فرشاً جديداً .

وفي مقابل مقبرة مسلم مقبرة وقبة أخرى هي قبر هاني بن عروة قرأت الفاتحة ، لم يكن لقبر هانئ ضريح أو شيء آخر سوى القبر . فقلت لأمين الملك أن يجري تعميرات وينصب ضريحاً جيداً .

ومن هناك جئت إلى محراب مقام أمير المؤمنين عليه السلام ، فصليت صلاة الظهر والعصر ، ثم ذهبت راكباً إلى شاطئ الفرات الذي يبعد مسافة ميدان واحد عن المسجد ، وكانوا قد شيّدوا بعض البنايات على الشاطئ حديثاً ، وقد استحدثت منذ سنتين . إن هذا الماء فرع من فروع الفرات ومن مجرى الهندية ، وفي هذه الأراضي تُسقى البساتين والمزارع بمشقّة بواسطة النواعير وبعض التدابير فيها الأشجار والنخيل والخضروات الطرية النضرة ، وزراع هذه الأراضي من أهالي إيران ، بوشهري وخراساني وأصفهاني وتبريزي ، ومن سائر مناطق إيران أيضاً ، ويوجد بعض الفلاحين العرب بنُدرة .

طار عدد من الدراج في البساتين ، أمين خلوت (أمين السر) اصطاد باشقاً ، لم يكن المكان صالحاً للصيد . اجتزنا البساتين وذهبنا إلى شاطئ الفرات ، كان خضراً وعرض البساتين والعمارات قليلاً ، منتهى ما يبلغه مائتي متر ، أما طولها فكثير ، وكانت العمارات في طرفي الماء .

مقبرة النبي يونس – عليه السلام – في هذا الجانب من الشاطىء ، له قبة وصحن ، لم أوفق للزيارة . كانت قد حطت بطة على الماء ، ضربها مهدي قلي خان من قريب بالمسدس ، فسقطت على الماء ، فخلع محمد قزويني خادم أغا وجيه ملابسه وجرد فرسه من السرج وركبها واقتحم الماء ، فقطع مسافة بالسباحة ، ثم خرج حتى ذهب إلى تلك الجهة ، وكانت البطة التي ضربها مهدي قلي خان لا زالت على الماء ، فنزل محمد عن الفرس ، وأخذ البطة بإحدى يديه وبالأخرى ذيل الفرس ، وكان يسبح ، وأوصل محمد نفسه إلى هذه الجهة وقد أدى مهارة ومغامرة .

والذين يأتون إلى النجف عن طريق الماء يخرجون في هذه المنطقة ، ويستأجرون الحمير من مسجد الكوفة فيذهبون إلى المدينة .

والخلاصة ، ركبنا بعد تناول الشاي واجتزنا من زقاق بستاني صغير قصير فصرنا إلى الصحراء ، وذهبنا إلى مسجد السهلة . يشبه مسجد الكوفة لكنه أصغر منه ، فيه بعض المقامات والأعمال وقاعدة للاعتكاف ، مكثنا قليلاً ثم رجعنا ، فاجتزنا مقبرة كميل بن زياد – عليه الرحمة – له ساحة صغيرة تقع قرب الطريق ، قرأنا الفاتحة ورجعنا إلى المنزل .

يوم السبت السادس عشر : عندما استيقظت من النوم اليوم كان الجو رطباً ملبداً بالغيوم ، والبحر قد تلاطمت أمواجه الكثيرة منذ منتصف الليل . وكان البحر متلاطماً ذا صوت ممتعاً وطرياً جداً ، وبعد تناول طعام الظهر حضر السيد حسين المجتهد التركي التبريزي ، وهو من أجلّة العلماء ، ويرجح أهل العلم والفضل ، وهو لا يخلو من شبه بالمرحوم الشيخ الدربندي طبعاً وهيئةً ، مع الحاج ميرزا جواد المجتهد أخي المرحوم الحاج ميرزا باقر المجتهد التبريزي ، ومعهما مشير الدولة ، وبعد ساعة من الحديث معهم نهضت قاصداً الزيارة ، فدخلنا الصحن كالعادة ، وزرت وصليت وقبلت مكان الإصبعين المقدسين ، الذي كان معيناً في الضريح المقدس ، وقدّمت الوسام الماسي البرليانيّ الذي كان على رأسي هدية لعتبة مولانا أمير المؤمنين سلام الله عليه ، وتعين مكانه في جهة الرأس لينصب على الجدار في محفظة زجاجية بحيث لا تصله اليد .

قلت اليوم ليفتحوا خزانة المولى التي أغلقت منذ أيام الوهابيين إلى الآن ، ولم تفتح ما يقرب من سبعين سنة ، ويسجلوا جميع ما فيها من ذهب وأحجار كريمة وأشياء أخرى ثم تختم مرة ثانية من قبل إيران والعثمانيين ، حتى تحفظ من النقص والكسر والفقد . يقع باب الخزانة في الرواق في الجنوب الشرقي منه . كانوا يهدّمون ليفتحوه . وكُلُّفَ ميرزا زكي مستوفي وزير الحرم أن يسجل . الستارة أي الغشاء المطرز بالذهب والفضة الذي أرسله عضد الدولة الديلمي ، وأهداه ليوضع فوق القبر أيام كان القبر بلا زينة وحفاظ ، وكان من الجص والآجر ، فمنذ ذلك العهد وضع فوق الضريح وإلى الآن لم يصبه أي عيب ما يقرب من ثمانمائة سنة . الضريح الفضي الذي كتبت عنه أنه من السلاطين الصفويين . قرأ اليوم أمين الملك خطوط قبّته ، كتبوها باسم منوجهر خان معتمد الدولة .

والخلاصة ، خرجنا . هناك ميزاب ذهبي أيضا ، نصب في سطح الرواق إلى جهة الغرب ، ويقال له : ميزاب الرحمة . تجولت في الصحن قليلاً. وفي المجاز الواقع خلف الصحن من جهة الرأس المقدس في الغرف الواقعة إلى جهة الشرق محل للدراويش البكتاشيين ، وكان لهم شيخ من أهالي اسطنبول ، وكان رجلاً طويل القامة ذا كريمة بيضاء ، وفي وجهة شامات لحمية كثيرة ، أصفر اللون ، خفي المذهب من الطائفة البكتاشية .

والخلاصة ، رجعنا وركبنا ، وخارج باب المدينة ركبنا العربة ، وسقنا نحو المنزل بسرعة . وقبل الغروب بساعة ونصف وردنا المنزل .

الحاج إبراهيم خان ابن رئيس فراشي المرحوم نائب السلطنة مجاور في النجف ، وقد دخل في سلسلة الفقراء (الصوفية) والناس يعتقدون به برسوخ . سمعت أنه يجلس مساء مقابل إحدى غرف الصحن وعوام الناس كالأنعام يحيطون به ويقفون بين يديه بخضوع وأدب ، ولم يأذن لأحد منهم بالجلوس ، ولم يفكروا بهذه الجسارة , وأن هذه الألاعيب والحيل دليل على الكفر وعلامة للجهل في هذا المكان المقدس ، وبحضرة سيد الأولياء ، أن هم أرادوا الإسلام فأي شيء هناك أوضح من الشرع المبين وشعار الدين ! ! وإذا كانوا من أتباع النفس والهوى والدنيا فليجروا أذيالهم إلى مكان أخر ، ولا يجروا العار على الإسلام والمسلمين ، وإن هذه الحركة قبيحة جداً في رأيي .

سجلت أسماء العلماء الذين حضروا اليوم : الشيخ راضي (عربي) ، والشيخ مهدي (عربي) والسيد حسين بحر العلوم ، والشيخ محمد إيرواني ، والشيخ منصور أخو الشيخ مرتضى أعلى الله مقامه ، والحاج ميرزا صادق الأصفهاني الذي تكرر حضوره في طهران، قد جاور منذ مدة في النجف الأشرف ، والحاج ميرزا أبو القاسم ابن أخت الحاج سيد أسد الله بن السيد محمد مهدي الأصفهاني حفيد المرحوم الحاج كلباسي ، والشيخ محمد حسين حفيد المرحوم الشيخ محمد حسن النجفي ، والشيخ محمد الكاظمي ، والسيد حسين التركي كوه كمره آي والذي هو من أجلّة العلماء .

والخلاصة ، نمنا الليل ، وأمطر كثيراً .

تفصيلات مسجد الكوفة ومسجد السهلة والمقامات وبنائها :

أن باحة مسجد الكوفة الكبيرة التي شيدت كالقلعة بالآجر ، لم يعرف تاريخ بنائها ، وما يقال على التحقيق أن الجدار الواقع في جهة القبلة ، والذي يقع فيه محراب المولى مرجع الولاية – عليه السلام – قد بقي منذ القديم ، لكنه قد أحيط من الطرفين بجدارين حفظاً للجدار العتيق بينهما . وكذلك قواعد الصفة الإمامية أيضاً قديمية بحيث سقط سقفها ، والسقف الموجود حالياً هو من تشييد المرحوم السيد بحر العلوم . وفي الجهة الشرقية أشاد تاجر من أهالي مسقط الغرف قبل ما يقرب من مائة وعشرين سنة . وفي الجهة الغربية شيد المرحوم ملا محمود سادن الروضة الحيدرية في النجف سبع غرف ، وشيد الحاج صالح عجينة التاجر النجفي أربع غرف منها ، وسائر الغرف بناها الإيرانيون بالتدريج .

وأما الطيقان الشمالية كلها من الزوار الإيرانيين . وشيد الحاج قاسم التاجر السمناني مئذنة المسجد الواقعة بجانب باب الفيل في ضلع المسجد الشمالي . وإن تعمير الغرف الدائرة التي كانت كلها مهدمة ومكان سفينة نوح الواقعة في وسط المسجد ، كلها قد شيدت بواسطة المرحوم عبد الحسين من الوجوه الشرعية التي جمعها .

مقامات مسجد الكوفة التي ورد في كل منها ركعتان من الصلاة هي كما يلي :

أولاً : مقام إبراهيم عليه السلام .

ثانياً : النبي صلوات الله عليه واله وسلم ، والذي صلى في السماء الرابعة ليلة المعراج محاذياً لهذا المقام .

ثالثاً : مقام آدم عليه السلام .

رابعاً : مقام جبرائيل عليه السلام .

خامساً : مقام الإمام زين العابدين عليه السلام .

سادساً : مقام نوح عليه السلام .

سابعاً : محراب أمير المؤمنين صلى الله عليه واله والذي استشهد فيه .

ثامناً : محراب آخر يبعد عنه بثلاثين قدماً واقع في الصفّة الأخرى ، واختلفوا في أن الشهادة جرت في أيهما .

تاسعاً : محراب الإمام جعفر الصادق عليه السلام .

عاشراً : دكّة القضاء التي كانت محلاً لقضاء مرجع الولاية صلوت الله وسلامه عليه .

حادي عشر : بيت الطشت : موضع معجزة أمير المؤمنين المعروفة حول الفتاة الحُبلى .

ثاني عشر : مقام الخضر عليه السلام .

ومن المعلوم أن هذا المسجد كان مسقفاً ، وهذه المقامات كانت من بعض الاسطوانات فيه . وبناء المحاريب التي شُيدت في المقامات مُختَلَف فيه ، لم يعرف بانيه ، وأغلبها قد شُيد بواسطة المرحوم السيد بحر العلوم . وقد نصب في كل مقام رخامة نُحتت فيها كتابة أعمال كل مقام بخط المرحوم ميرزا عبد علي نواب اليزدي ، وهو من أجود الخطاطين المعروفين وقد أرسل هذه الرخامات علي نقي خان بن محمد تقي خان اليزدي ، إلا صخرتين نصبهما رجل باسم الحاج إسماعيل .

وتقع بقعة مسلم – سلام الله عليه – في ضلع المسجد بين الشرق والجنوب ، وأصل بناء البقعة كان من قبل المرحوم الشيخ محمد حسن المجتهد ، والتي بناها من أموال الهند . والإيوان والتعميرات وغيرها ، كان المرحوم الشيخ عبد الحسين مباشر لها من قبل الشاهنشاه . وفي جهة الشرق بقعة هانئ بن عروة كما مر في شرح بقعة مسلم . شيد أصل البقعة الشيخ محسن حسن ، والإضافات قام بها الشيخ عبد الحسين . وفي جهة الشمال مقبرة السيدة خديجة الصغرى بنت أمير المؤمنين عليه السلام . وفي جهة القبلة مقبرة المختار متصلة ببقعة مسلم ، وعلى مسافة مائة قدم تقع دار مرجع الولاية عليه السلام، والتي طليت قبتها بالقاشاني النيلي للعلامة. وباب هذه الدار آثارها موجودة بجانب منبر أمير المؤمنين، والتي هي قريبة من المقام السابع. والآن نصبوا صخرة للعلامة. والدكاكين الثلاثة الموجودة خارج المسجد شيدها المرحوم الشيخ عبد الحسين مما جمعه، وتقع في جهة باب الفيل. حوض من الماء المالح الواقع هنا من آثار السيد محمد تقي بحر العلوم، وحوض من الماء العذب بناه السيد إسماعيل المجتهد البهبهاني من قبل الحاج إبراهيم البهبهاني الأعمى. وهناك مسجدان صغيران قرب مسجد السهلة، أحدهما مسجد صعصعة ، والآخر مسجد الحنانة (1) ، وفي كل منها ورد آداب اعتكاف وصلاة مستحبة.

اليوم الأحد السابع عشر من رمضان: كنا اليوم في المنزل والسماء في الصباح كانت ملبدة بالغيوم والهواء رطباً وماء البحر متلاطماً، والموج ثائراً، وبعد تناول وجبة طعام الظهر هبّت ريح شديدة، وأمطرت ورعدت وبرقت وبَرُد الهواء، واقتلعت الريح أكثر البيوت والخيام.

شوهد اليوم (محقق) وكان قد جاء مع (خانلرخان سرهنك أفشار) عن الطريق المائي، أي الهندية. وإذ كان (خانلرخان) له معاريف في قبائل الأعراب القاطنين في نواحي ذي الكفل، وكان قد مكث في مضيف الأعراب عدداً من الليالي.

والحاج علي مقدّس مشكاة الملك مريض، وكنت قد أرسلت ميرزا أبو الفضل الطبيب الكاشي ليفحصه، فكان يقول: إنها بوادر الاستسقاء، وإذا لم يُعالَج يحتمل الخطر، ويجب أن يشرب (الشراب)، وقد تكلف ميرزا علي خان ومحمد علي خان أن يذهبا ويجبرا الحاج على المعالجة، وكانا قد ذهبا ورجعا عصراً، وتبين أنهما أقنعاه على المعالجة لكي يشرب الكونياك، والذي هو من المسكرات الشديدة، وإن شاء الله يُعالج.

والخلاصة، ركبنا وذهبنا الى الزيارة، وكان ساعي البريد قد وصل من طهران، فقرأت الرسائل التي جاء بها، وكان يقول: إن المطر على طول الطريق مما بعث على الإنشراح والسرور هنا – أيضاً- كان المطر قد بلّل الأراضي والحمد لله، ولم يكن اليوم غبار، وبعد الزيارة صلّيت وذهبت على قبر المرحوم (آقا محمد شاه) وكانوا قد أخرجوا علبة جواهر من خزانة أمير المؤمنين عليه السلام، جاء والي باشا ووزير الخارجية ومشير الدولة وفتحوها بحضوري، فتفرجت فيها، وكانت تحتوي على جواهر نفيسة وممتازة كثيرة، وكان أغلبها من المرحوم نادرشاه الذي كان قدمها لهذه العتبة المقدسة بعد فتح الهند، فيها جواهر نفيسة، منها قطعتان كبيرتان من الماس، إحداهما (بيكاني) والأخرى (آيينه)، والتي كان أحد جوانبها حُكٌ هندي، وكانتا جيدتين جداً وقيّمتين، وزمرّدات جيدة، وياقوت نيليّ جيد، ولَعلُ ممتاز، وخرجنا بعد مشاهدتها، وركبت من السوق الذي كنت قد جئت منه في اليوم الأول، واجتزت وادي السلام فركبت العربة، وذهبت عن طريق الباب الصغير أيضاً الى المنزل، وكان محمد حسن خان حاضراً فقرأ شيئاً من الصحف، وكان ميرزا علي خان حاضراً أيضاً.

يوم الإثنين الثامن عشر من رمضان كان الهواء سحبياً، وركبنا بعد الظهر الى جهة الغرب، وتجولنا في ساحل البحر وتفرّجنا، وكان برفقتنا مهدي قُلي خان وأغا وجيه ومحمد علي خان بيكلر بيكي، وميرزا علي خان ومحمد حسن خان وموجول خان ، ذهبنا نصف فرسخ ونزلنا على ساحل البحر من جهة أسفل البحر، فأرعدت وبرقت وتغير الهواء واستعدّ للمطر، فعجّلنا بالركوب إلى جهة المنزل، فأمطرت في الطريق قليلاً، وبلّت الألبسة. جئنا إلى المنزل ، ومكثنا قليلاً، فتوضأت وركبت العربة نحو الصحن المقدّس. فدخلنا وكان الجميع حاضرين، زرت وفتحوا الضريح المطهر، فدخلت (فكان هناك)(2) سيف جهانكشا (فتح العالم)، ومثال صورة الإمام، وتربة سيّدا الشهداء الخاصة، وتربة أبي الفضل العباس عليه السلام، وأخرجتُ ورقة دعاء بخط الإمام والتي كنت قد وضعتها في الضريح المقدس للتبرّك، وكنت مرتدياً عباءة الإمام البيضاء الخَلِقَة، فصليت عند الرأس، وتلوتُ سورتين من القرآن في مصحفٍ جليّ كبير كُتِبَ بخط الثلث الجيد جداً، وكانوا قد جاءوا بمقدّم تاج جيد جداً هدية من قبل (عُليَا مهد)(3) ، فنصبوه على الضريح المبارك. وكان وزير الخارجية قد أهدى خيمة من المُخمَل المطرّز، وكان قد خاطها لهذه السفرة بصورة خاصة، وكان قد خصّص الفضة المستعملة فيها لصنع باب الرواق، وكانوا ينصبون إزارتها في إزارة الروضة المباركة، وكأنها قد خيطت لهذه الروضة المنوّرة، وكانت تطابق الإزارة من حيث العرض والطول

رأيت أبناء غلا محسين خان سبهدار: أحدهما حسن خان ، وكان في مدرسة طهران العسكرية في مجمع درس المعلّم (كوشيش) يتعلم في قسم المدفعية، والآن دخل في سلك طلاب العلم مع أخيه يوسف خان في النجف، وتعمّما واختارا المجاورة.

أحضروا لدينا أخا ميرزا عبد الله مستوفي ناظم الميزانية، واسمه ميرزا علي أكبر، ويدرس العلوم الدينية الآن. وعلى كل حال، ذهبت إلى مقبرة أغا محمد شاه وكان هناك الجواهر والأشياء التي كان قد أخرجها مشير الدولة ومدحت باشا من خزانة الإمام أمس، وكتبوا قائمة بها، شاهدتُها ، وكان من جملتها قنديل مرصّع كبير جداً قدّمه علي مراد خان زند، قِطَعٌ من الفيروزج الكبيرة وبعض الجواهر الأخرى، ولم يكن لأحجاره ذلك الامتياز ، وأربع قِباب مرصّعة جدّاً ممتازة وراقية من أجل زوايا الضريح المطهر الأربعة، كان قد أهداها الشاه سلطان حسين الصفوي، وسيف مجوهر وبعض الجواهر الأخرى ومجمرة بخور مرصّعة ممتازة جداً كانت من هدايا المرحوم نادرشاه، وقنديل مرصّع كبير بسلسلة ذهبية ومعلّقات من اللؤلؤ الرطب الكبير الذي يحتوي على امتيازات كثيرة، كانت أهدته (زينت بكم) بنت المرحوم شاه طهماسب الصفوي.

فرأيت من الإجحاف أن يبقى مكنوزاً ومخفياً ويذهبون به إلى الخزانة مرة أخرى، فأمرت أن يُعلّق في سقف القبة على الضريح المطهر، وكنت حاضراً، وكان مزيناً وجيداً جداً. ورجعت بعد ذلك إلى المنزل، وأمطرت السماء قليلاً ليلاً.

يوم الثلاثاء التاسع عشر من رمضان، استأذنّا اليوم من أعتاب الإمام (ع) مع شديد الأسف والحسرة والكدر لنرتحل نحو كربلاء. وكان الجميع في الصحن الروضة المطهرة حاضرين، وجاء مشير الدولة بالسيد ميرزا حسن الشيرازي، وهو من أجلّ العلماء، ولم يكن يأتي للاستقبال أيضاً، جاء به في الصحن المبارك، وهو إنسان زاهد عابد منقطع، ويتمتع بالعلم واقعاً، وبهذه المقابلة القصيرة اكتشفت عالم فضائله وتجرّده وزهده وظاهره وباطنه وهو اليوم – وكما قالوا – يفوق الأقران في فنون الفضل والعلم، تحدثنا قليلاً، وقرأ دعاء المسافر في أذني.

خرجت واجتزنا باب المدينة جهة وادي السلام، وكان الناس قد تحشدوا بكثرة خارج المدينة. وكان ازدحام الناس – رجالاً ونساءً عجماً وعرباً – ازدحاماً عجيباً في أزقّة المدينة والسوق وخارج الباب وعلى التلّ المعروف بالجودي، الذي يقال عنه أن سفينة نوح رست عليه بعد الطوفان. وفي خارج المدينة جلستُ في العربة، وكان مرورنا في كل مكان الى جانب نهر (وكيل الملك) الذي شرع به في البداية المرحوم الشيخ محمد حسن المجتهد من أموال الهند ولم يكتمل، وأراد المرحوم وكيل الملك أن يتمّه فلم يعرف المباشرون بالعمل، ومن جهلهم أنهم حفروه بدون أن يوازنوا ارتفاعه، ولا زال غير تام ودون جدوى.

————————————————————————————-

(1) غفل الكاتب هنا وهو يريد مسجد زيد بن صوحان العبدي، لأن مسجد الحنانة يقع قرب مدينة النجف الأشرف، قرب مقبرة كميل بن زياد عليه الرحمة. الترجمان

(2) العبارة لم تكن كاملة في الأصل، ولذا أضفت لها ما بين القوسين

(3) أظن أن العبارة اصطلاح فارسي وتعبير عن مقام أم الشاه

المصدر : موسوعة النجف الأشرف ج4

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *