الأحد , 16 يونيو 2019
الرئيسية » معالم نجفية » أماكن أخرى » وادي السلام المثوى الأخير

وادي السلام المثوى الأخير

wady-alselam1

 

صخب وصمت يتعانقان في وادي السلام, يحكي أحدهما للآخر قصته مع الانسان, صخب الأموات , سواء كانوا من أصحاب اليمين أو من السابقين, فهم في روضة من جنات النعيم, في حلق يتزاورون, في أي شيءٍ يتحدثون, عن النبأ العظيم, الذي هم فيه متفقون …عن الشفاعة … عن يوم الدين الذي بعد ساعات سيحين, وسيلقون ربٍ كريم بعباده رؤوف رحيم.
وصمت الأحياء , الذين يدخلون عالم القبور, يغشاهم الخوف , وكأنهم سيرون الموت يخرج لهم من بين اللحود, من وهمهم أنه يعيش في المقابر … يسرعون الخطى … يدفنون أمواتهم على عجل … يهربون من صمتهم, من خوفهم ويعودون الى حيث ينسون ( أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ )wady-alselam2

 
نعم هذه هي حقيقة وصورة وادي السلام أو مقبرة السلام في مدينة النجف الأشرف , عمرٌ تجاوز الآلاف من السنين , فقد ذكر التاريخ أن اليهود اعتقدوا بفضل دفن موتاهم في أرض النجف, فعندما سأل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام كبيرهم رأس الجالوت عن ذلك, قال : إنا نجد في كتاب موسى أنه يبعث من ظهر الكوفة سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب, قال أميرالمؤمنين عليه السلام : يا رأس الجالوت أولئك منا وليسوا منكم.

وما يدل على قدم هذه البقعة المباركة وجود الكثير من القبور فيها قبل دفن الامام علي بن أبي طالب عليه السلام, ومن هذه القبور مرقد نبي الله هود عليه السلام الذي ذكر في كثير من الروايات عن أئمة أهل البيت عليهم السلام, وفي زيارة أمير المؤمنين عليه السلام يُخاطَبُ الامامَ…السلام عليك وعلى ضجيعيك آدم ونوح وعلى جاريك هود وصالح, وهذا يعني أن أربعة من الأنبياء الذين ذكرت أسماءهم في القرآن الكريم قد دفنوا في هذه الأرض المقدسة.

كان أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام كثير ما يأتي من الكوفة الى وادي السلام ويقف فيه طويلاً وكأنه يخاطب أقواماً, وذات مرة قال لأحد أصحابه حينما سأله عن وقوفه : ما هي إلا محادثة مؤمن أو مؤانسته, ثم قال له لو كشف لك لرأيتهم حلقاً حلقاً يتحادثون, وما من مؤمن يموت في بقعة من بقاع الأرض إلا قيل لروحه الحقي بوادي السلام, وإنها لبقعة من جنة عدنٍ, اللهم اجعل قبري بها.

روي عن إمامنا الصادق عليه السلام قال : إن الله عز وجل خلق سبعين ألف ملك يقال لهم النقالة ينتشرون في مشارق الأر ض ومغاربها فيأخذون أموات العباد ويدفنون كلاً منهم مكاناً يستحقه, وإنهم يسلبون جسد الميت عن نعشه ويضعون آخر مكانه من حيث لا تدرون ولا تشعرون وما ذلك ببعيد, وما الله بظلام للعبيد.
ومن الأماكن التي ينقل إليها الأموات المؤمنون وادي السلام في النجف
الأشرف, وسمي بوادي السلام لأن من يدفن به ومن ينقل إليه يسلم من عذاب البرزخ ومن سؤال منكر ونكير كرامة خاصة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام.

وما ان علم أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام وشيعته بما لهذه الأرض من قداسة وخصوصية عند الله تعاهدوا على دفن موتاهم في هذه الأرض حتى في حياة الامام عليه السلام, ومن هؤلاء الصحابة, أثيب اليماني الذي توفي فجاء أولاده بجنازته الى مقبرة السلام, وعندما أشرفوا عليها وجدوا أمير المؤمنين عليه السلام واقفاً, فسألهم عن امرهم, قالوا إن أبانا أوصى بأن يدفن في هذه الأرض لأنه يدفن فيها رجل لو شفع لأهل الموقف لشفع, فقال عليه السلام أتعرفون هذا الرجل ؟ قالوا لا, قال عليه السلام : أنا والله ذلك الرجل وكررها ثلاث.

واستشهد أمير المؤمنين عليه السلام سنة 40هـ وضمت هذه الأرض جثمانه المقدس, ولم يكشف قبره لعامة الناس خوفاً عليه من الأعداء حتى سقوط الدولة الأموية سنة 132هـ والتخفيف من وطئة الضغط النفسي والسياسي على أئمة أهل البيت وأتباعهم, حيث عَرَّفَ بالقبر إمامنا الصادق عليه السلام وعلمت به السلطات العباسية آنذاك,فسمحوا بزيارته بعدما شُيِّدَ عليه قبة…, ومنذ ذلك الحين أصبحت أرض النجف قبلة المسلمين الروحية لأمواتهم وأحياءهم, فكل من اعتقد بفضلها وقدسيتها زارها حياً أو ميتاً, فالناس من جميع
أقطار الأرض الاسلامية يدفنون أمواتهم في أرض السلام …, والمدينة تتعاظم وتكبر بسكانها, والمقبرة تتسع بازدياد عدد الجثامين الواصلة إليها من داخل وخارج المدينة حتى أصبحت في وقتنا الحاضر من أكبر المقابر في العالم.
بوركت من ساكن وادي السلام ويا وادي السلام لقد بوركت من سكن
جاورت خير الورى بعد النبي فيـــا طوبى لمن بات جاراً من أبي حســن

القلوب متعلقة بعلي بن أبي طالب عليه السلام في الحياة الدنيا, فكيف لا تتعلق به الأرواح بعد الممات, فهو باب رحمة الله في كل العوالم الوجودية, وهكذا الملوك والوزراء وأساطين العلم من المراجع الدينية والعرفاء بالله والأغنياء والفقراء دفنوا بجوار مرقده الشريف وفي حضرته المقدسة والصحن العلوي المطهر كلهم يلوذون بأمير النحل يرجون أن ينالهم ما وعدهم ربهم من رفع عذاب القبر والراحة في عالم البرزخ ببركة ولي الله علي بن أبي طالب عليه السلام.wady-alselam3
فيالله من قدسية وادي السلام, إذ تجد فيه قبر نبيٍ وولي وعباد عرفوا الله مخلصين له الدين, وتجد مقام صاحب الزمان طاووس الجنة الذي أشار اليه إمامنا الصادق عليه السلام عندما زار النجف في سنة 137هـ حينما استدعاه الخليفة العباسي المنصور عدة مرات ، وطلب من الشيعة الهجرة إلى جوار مشهد جدّه أمير المؤمنين عليه السلام، فلم تمضِ الاّ سنوات قليلة، حتّى أصبحت حوله قرية يُشار إليها بالبنان، كما جاء في تاريخ الطبري في حوادث (144هـ).

روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: كأنّي بالقائم قد عَبر من وادي السلام إلى مسيل السهلة، على فرس محجل، له شمراخ يزهر، يدعو ويقول في دعائه:
(لا إله إلاّ أنت حقاً حقاً، لا إله إلا الله إيماناً وصدقاً، لا إله الاّ الله تعبّداً ورقّاً، اللهمّ معزّ كلّ مؤمن وحيد، ومذلّ كلّ جبار عنيد، أنت كهفي حين تُعييني
المذاهب، وتضيق عليَّ الأرض بما رحبت، اللهمّ خلقتني وكنت غنيّاً عن خلقي، ولولا نصرك إيّاي لكنتُ من المغلوبين).

في بداية تاريخ الدفن في وادي السلام كان الناس يدفنون أمواتهم بأيديهم وضمن ضوابط الفقه الإسلامي أو يأتون بدفانٍ معهم ولكن بعدازدياد أعداد الجنائز الوافدة الى أرض السلام وخاصة بعد سقوط الدولة العباسية في منتصف القرن السابع الهجري, صارت الحاجة الى تنظيم عمل الدفن وما يتعلق به من تغسيل الأموات وتكفينهم, فتخصص بهذه الأعمال أشخاص معينون وجدوها فرصة لإمتهان هذه الأعمال, لأسباب منها الأجر والثواب وكذلك مساعدة الناس على دفن موتاهم بالاضافة الى الكسب المادي.

في بداية الأمر كان الناس يأتون الدفان في بيته ويطلبون منه دفن ميتهم, وبعد ذلك وبمرور الوقت وكثرة الموتى الوافدة الى وادي السلام تعدد الدفانون فأصبح لكل قبيلة أو بيت من البيوت العربية دفانٌ خاص بها اتخذ له مقراً أو ما يسمى بمكتب الدفن يتولى عملية حفر القبر ودفن الميت وتلقينه والدعاء له.
وكان الناس يأتون بالميت مُغَسَّل ومُكَفَّن من مدنهم ومناطقهم ولا يحتاجون في مقبرة النجف إلا لمن يدفنه …, ولكن اليوم الأمر اختلف تماماً, فمن يأتي بجنازة ميت يجد في وادي السلام المغتسل الجيد والواسع ذا المياه الكثيرة, وفي نفس هذا المغتسل يوجد أكفان تباع, كُتِبَ عليها آيات من القرآن الكريم وأدعية متعددة, وكذلك يوجد من يقرأ على الميت سور من القرآن الكريم, ومن يرش العطر على الجنازة ومن يرش الماء على تربة القبر, فكل ما يحتاجه الميت وأهله يجدونه اليوم في مقبرة وادي السلام.

صاح هذي قبورنا تملأ الرحب فـأيـن القبور مـن عـهـد عــادِ
رب لحــد صار لحـــدا مراراً ضاحكاً من تزاحم الأضـــــدادِ

حرص الكثير من المسلمين وخاصة الشيعة على دفن موتاهم في مقبرة النجف, فمن دول جنوب شرق آسيا والهند وباكستان وإيران ولبنان ودول الخليج العربي وعامة مناطق العراق تأتي الجثامين الى المقبرة, وقد مر نقل الجثامين الى النجف بظروف ومراحل متعددة منذ القرون الأولى للدفن الى يومنا هذا, ففي بداية الأمر كانت تنقل الجنائز على ظهور الحيوانات وقد يستغرق وصولها الى وادي السلام أيام عديدة مما يؤدي في كثير من الأحيان الى تفسخ الجثث وتعفنها, ويذكر أن الجنائز كانت تلف في بساط أو سجاد, وتحزم بالحبال ويوضع بعضها في توابيت خشبية, أما اليوم فنجد أن الجنائز تنقل الى مقبرة النجف بالطرق السريعة مثل الطائرات والسيارات وغيرها من وسائل النقل الحديثة.

لوادي السلام حدود مترامية الأطراف لايُعْرَف لها قياسات محددة, فهي تتوسع كل يوم وخاصة في الظروف الطارئة التي يخيم فيها شبح الموت على الناس أثناء النكبات الطبيعية والبيئية كالطاعون الذي فتك بوسط العراق في مطلع القرن العشرين,والموت المخروم الذي فَعَّلَتْهُ كل الحكومات التي حكمت العراق من العباسيين والعثمانيين مروراً بالأنكليز ومن حَكَمَ العراق بعدهم لغاية عام 1968م عندما تسلطت على رقاب الناس حكومة البعث الدموية التي كان شعارها –الدم المستباح وزهق الأرواح- فَسُيِّرَتْ الجثثُ قوافلَ تترا الى مقبرة النجف, من حرب الشمال عام 1974م الى الاعدامات الفظيعة في صفوف علماء الحوزة الدينية وطلابها وعموم المجتمع العراقي, الى الحرب الضروس بين العراق وإيران في ثمانينات القرن العشرين, وفي التسعينات منه كانت حرب العراق مع التحالف الدولي الذي أنتج حصاراً على العراق مُنِعَ فيه الغذاء والدواء وسُمِحَ فقط للموت بالتجوال بين أرواح الأطفال والشيوخ ليقطف ما يشاء منها ويبعث بها الى وادي السلام.
أما ضحايا الإحتلال والإرهاب بعد عام 2003م فلمقبرة النجف معها قصص تكاد تكون ضرب من الخيال.

ياقاريء كتابي إبكي على شبابي بالأمس كنت حياً واليوم تحت التراب
أشعارٌ وآيات من القرآن وكلمات نثرية كتبت على واجهات القبور في مقبرة السلام, هذه القبور التي تباينت من حيث الحجم والشكل ومادة البناء.

تمتاز تربة وادي السلام بجفافها ورخاوتها لأن أرض النجف ترتفع عن سطح البحر أكثر من 60 متراً, وكذلك اتصالها المباشر بالصحراء الغربية للعراق, وهذه مواصفات ساعدت كثيراً على سهولة حفر القبور وبناء السراديب فيها, بالاضافة الى انها لا تظهر أي عفونة لقلة الرطوبة وجفافها التام.

وقد مرت على مقبرة وادي السلام حوادث وأحداث جمة غيرت حتى من معالمها, وذلك بفعل الدخلاء والمحتلين الذين لا يعرفون لهذه الأرض حرمة ولا كرامة,
فبعد سنة 1333 هـ-1915م لما حاصر الإنكليز مدينة النجف أربعين يوماً – وهو الحصار الكبير – هدموا مرقدي هود وصالح (عليهما السَّلام) بل وكثير من البقاع المشرفة عبثوا بها، وقد أحاط الانكليز وادي السلام بأسلاك شائكة بعد مقتل حاكم النجف ( الكابتن مارشال ) لأن الثوار انطلقوا منها للهجوم على سراي الحكومة والتصدي لحاكم النجف وقتله.
أما النظام البعثي الذي حكم العراق بعدعام1968م فقد عمد على سحق آلاف القبور وسواها بالأرض وأنشأ فوقها طرق وشوارع ليسهل عليه السيطرة والامساك بالفارين من الخدمة العسكرية والمعارضين السياسيين للنظام والذين كانوا يختبؤون في سراديب المقبرة وخباياها العصية,وبذلك محيت من الوجود الكثير من مقابر الملوك والأمراء والعلماء مثل مقبرة البويهيين والقاجاريين والأفشاريين, ومقبرة أمراء المحمرة وعربستان وغيرها كثير جداً.
ولم تسلم هذه البقعة المقدسة من القنابل العنقودية وصواريخ الاحتلال الأمريكي التي مزقت أحشاء قبور وادي السلام بعد غزوهم للعراق في عام 2003م.

وفي عام 1431هـ-2010م وافقت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (يونسكو) على إدراج مقبرة وادي السلام الواقعة في مدينة النجف الاشرف في لائحة التراث العالمي العراقية لأن أرض وادي السلام تجاوز عمرها الألف عام وتضم قبور العديد من الشخصيات التاريخية من أنبياء وملوك وشيوخ عشائر ومثقفين.

يا بني النقص والعبر وبني العجز والخـــــــور
أين من كان قبلكم من ذوي البأس والخـــطر
سائلوا عنهم الديار واستبحثوا الخـــــــــــــبر
سبقوكم إلى الرحيل وأنتم على الأثـــــــــــر
إنتاج: مؤسسة الحكمة للثقافة الإسلامية
بقلم: هاشم سعدون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *